دير شبيغل: ليسوا أبطالاً بل وحوش

دير شبيغل: ليسوا أبطالاً بل وحوش

0 11٬652

تقرير بعنوان ” ليسوا أبطالاً بل وحوش ” من مراسل صحيفة دير شبيغل الألمانية علي أركادي يوثق الانتهاكات التي حصلت من قبل قوات الجيش العراقي والقوات الرديفة بحق المدنيين في معاركهم ضد ميليشيا ” الدولة الإسلامية “
علي أركادي مصور فوتوغرافي عراقي رافق الوحدات الخاصة العراقية ليوثق حربهم ضد “الدولة الإسلامية”، و أصبح فجأة شاهداً على عمليات الاغتصاب والتعذيب والقتل التي نفذها هؤلاء.

الرواية بلسان علي أركادي

أنا من خناقين، مدينة صغيرة في شرق العراق، هناك حيث يلتقي الجزء الكردي مع العربي، كان طبيعياً لدينا أن يعيش السنة والشيعة والأكراد بجانب بعض ومع بعضهم، وربما اعتقدت أنا أكثر من الآخرين أن العراقيين من أصول مختلفة يستطيعون أن يعيشوا مع بعضهم البعض.

بدأت في شهر كانون الثاني من العام 2016 مشروعاً جديداً، وهو مرافقة جنديين عراقيين من فرقة الرد السريع وهي الوحدة العسكرية لوزارة الداخلية العراقية لأوثق قتالهم ضد “الدولة الإسلامية”، تعرفت قبل ذلك على اثنين من مقاتلي هذه الوحدة، قالوا حينها إنهم سيقتلون الناس، لكنني اعتقدت أنهم كانوا يمزحون.

في الخريف التقيت بهما مرة أخرى، عندما بدأ “تحرير الموصل” وهما النقيب عمر ناصر وهو سني، حيدر علي وهو شيعي برتبة عريف أول، كان من المفترض أن يكونا خصمان بعد كل ما جرى في العراق، لكنهما رفيقان وصديقان مقربان يحميان بعضهما البعض في ساحة القتال، رافقتهما وصورتهما لعدة أيام، هكذا ولدت الفكرة، أن أجعل هذين الاثنين بطلان لفيلم وثائقي، من المفترض أن يظهر إمكانية اتحاد السنة والشيعة ضد “الدولة الإسلامية”.

في ذلك الحين أنشأت صفحة على الفيس بوك اسمها “Happy Baghdad”، قدمت فيديو من دقيقتين تحت عنوان “محررين ليسوا مدمرين” ولاقى صدى واسعاً، فحصل على نحو 345815 مشاهدة و 1360 مشاركة وتعليق، واعتقدت حينها أنني على الطريق الصحيح.

عزمت على متابعة الاثنين إلى نهاية الحرب في الموصل، الاثنين كانا متفقين أن يصبحا بطلان لقصتي، لم يكن الهدف فقط أن يظهر مقاتلو النخبة “الفرقة الذهبية ” وهم يؤدون أفعالاً جديرة بالاحترام وجريئة وإنما أيضاً توجد وحدات أخرى تقوم بهذه الأشياء.

الفرقة التي ينتمي إليها عمر وحيدر بدأت صغيرة ولكن منذ صيف عام 2014 عندما بدأت الحرب مع “الدولة الاسلامية” تزايد عدد عناصرها بشكل متسارع، وتم تقسيمها إلى ثلاثة مجموعات هي الاستطلاع والقنص ومجموعة قتالية يقودها عمر ناصر وينتمى إليها صديقه حيدر.

نفذ هؤلاء الرجال حملات أمنية وقادوا عمليات ليلية ودربهم الأمريكيون بشكل أساسي، ومع كل انتصار في معركة تنمو ثقة أبطال فلمي الوثائقي، وقد حصلت على إذن لمرافقة القوات في عملياتها من القائد العقيد ثامر محمد إسماعيل.

في 22 كانون الأول أتى رجال عمر مع اثنين من السجناء إلى القاعدة، بسبب الاشتباه بدعمهم لـ “لدولة الإسلامية “، قمت بتصويرهم ولكن لم أكن أعلم ماذا سيحدث معهم، لاحقاً أخبرني الجنود أن السجينين كانا لثلاثة أيام تحت التعذيب وأنهما عنصران في “الدولة الإسلامية”، بعد اسبوع علمت أنهما قد قتلا.

عند هذه النقطة، بدأ مشروعي يتغير، “أبطالي” يفعلون أشياء لم أكن أتوقعها، في بادئ الأمر كان علي فقط المشاهدة بدون تصوير، وفي وقت لاحق لم يكن لديهم أي مانع من تصوير ما يفعلون، كان ما جرى أكثر مما توقعت ولم أكن قادر على تصور: التعذيب والاغتصاب وقتل الناس مقابل شبهات غامضة، فاجأني أنهم سمحوا لي بتصوير كل شيء.

الجنود في تلك الأثناء استردوا قرية كفر العبد من “الدولة الإسلامية”، وكان النقيب ثامر الدوري مسؤولاً عن قسم المعلومات السرية هو الذي قاد الحملة الأمنية، كنت معهم عندما اعتقلوا العديد من الرجال في الليل من بينهم أيضاً رياض هندية الذي كان حارساً ومنظفاً لجامع القرية، لكن أحد المخبرين جاء به على أنه عنصر في “الدولة الإسلامية”.

في البداية أخذوه معهم فقط لعدة ساعات لكي يضربوه ويحققوا معه ولكن النقيب الدوري قال لي بعد بضعة أيام إنه قتل، وفي تشرين الثاني غادر عشرة رجال مجهزين بأجهزة رؤية ليلة ونفذوا حملة مداهمة ليلية، وكان الجنود الأمريكيين في مكان قريب يتابعون العملية الليلة بواسطة طائرة بدون طيار.

رائد الهندية كان نائماً مع عائلته في غرفة واحدة عندما اعتقلوه، الجنود أحضروه إلى النقيب عمر ناصر “بطل” فلمي الوثائقي حيث عذبه لعدة ساعات قبل أن يتم نقله إلى مقر المخابرات في الصباح، هناك عذب لمدة أسبوع أيضاً، وقتل فيما بعد مع آخرين للاشتباه بانتمائهم “للدولة الإسلامية” هكذا أخبرني لاحقاً النقيب الدوري.

في نفس الليلة اعتقلوا شاباً اسمه رشيد، لم يكن مذنباً هكذا قال المستكشفون أنفسهم في الجيش العراقي ولكن شقيقه الأكبر وزوجته كانا قد التحقا بـ”الدولة الإسلامية”، رشد قتل بعد ثلاثة أيام تحت التعذيب، رأيت جثته في مقر المخابرات.
لآن بدأ الكابوس، القرية الصغيرة حمام العليل، كانت محررة بالكامل من “الدولة الإسلامية”، وعاد كثير من أهلها الذين تركوها بسبب القتال، توجهت فرقة الرد السريع لكي تعتقل الشباب وتتأكد فيما إذا كان بينهم عناصر من “الدولة الإسلامية”، ومن بين المعتقلين كان أب وابنه يبلغ من العمر 16 عاماً، أحضرهم الجنود إلى المقر الرئيسي.

مهدي محمود (الأب) علقوه من السقف ويديه خلف رأسه، وأثقلوا ظهره بواسطة لوح وعلب من الماء الممتلئة، وبدأوا بضربه، الابن كان يجلس في الجوار ويستطيع سماع صراخ والده وأنا كنت أصور ذلك، لم يوقفني أحد، ثم ضربوا الابن أمام أعين والده وفي وقت لاحق قتلوه.

كل شيء خارج السيطرة، أفكر، أين وقعت هنا في الورطة؟ لماذا يتركوك تصور، كيف يعذبون الناس؟ كيف يتم هذا الجزء من الوثائقي حول التحرير من “الدولة الإسلامية” لكنهم لا يفكرون كمان يفكر الصحفيون، بالنسبة لهم أصبح ذلك مجرد شيء طبيعي، وفي نفس الوقت أقول لنفسي: يجب أن تسجل، توثق، تبرهن، تظهر، أنهم يرتكبوا جرائم حرب.

في منتصف كانون الثاني انتقلنا إلى الجهة الأخرى من نهر دجلة، في قاعدة جديدة في “بازوايا” على الطرف الشرقي من الموصل، كان يوجد هناك أخوين شابين، ليث وأحمد اعتقلتهم سابقاً الفرقة الذهبية، ولكن أفرج عنهم لعدم وجود أدلة كافيه، الآن مرة أخرى ألقي القبض عليهم وأحضروا إلى هنا، لكن في الليل لم يكن هناك ضباط فقط الجنود المسؤولين عن التعذيب.

بدأوا بمعاملتهم بقسوة، في البداية مع الضرب، ثم طعن أحمد مراراً وتكراراً خلف اذنه، هذه كانت تقنية تعلمها أحمد من الخبراء الأمريكيين.

كنت مندهشاً، خائفاً، أنهم سمحوا لي بتصوير كل شيء، بقيت لمدة ساعة، في الصباح من اليوم التالي أخبرني أحد الجنود، أن ليث وأحمد عذبوا حتى الموت خلال الليل وأظهروا لي الفيديو لجثثهم وحتى أنه أرسله لي عبر “الواتس اب”.

في 16 من كانون الثاني التقيت بالنقيب عمر ناصر (السني) وحيدر علي (الشيعي) اللذين يقاتلان سوية ضد “الدولة الإسلامية”، في نفس الليلة استمرا بالاعتقالات، الجنود حصلوا على أسماء مختلفة من قبل مخبر، أسماء رجال ادعى المخبرون أنهم قاتلوا في وقت سابق مع “الدولة الإسلامية”، الجنود انطلقوا بأمر من الضباط وسمحوا لي بمرافقتهم.

فتحي احمد صالح هو اسم الشخص الثاني الذي قاموا بالقبض عليه من داخل منزله تلك الليلة، حيث قاموا بجره من داخل الغرفة التي كان ينام بها برفقة زوجته واطفاله الثلاثة، بعد ذلك ذهب الرقيب أول “حيدر علي” إلى الغرفة وأعلن “سأقوم باغتصاب المرأة حالاً”.

قمت أنا من ناحيتي بتتبع الآخرين لمعرفة ماذا يفعلون بالزوج، بعد مضي خمس دقائق قابلت “حيدر علي” مجدداً بمحاذاة الباب المفتوح حيث كانت الزوجة تبكي، حينها سأله الرقيب “عمر نزار” عما قام بفعله فأجاب حيدر علي: لا شيء، إنها حائض.

قمت بالتصوير في داخل الغرفة حيث جلست الزوجة وابنها الأصغر بين ذراعيها، نظرت الي وتابعت التصوير بدون تفكير، وحينما قمت لاحقاً بمشاهدة الفيديو ورأيت كيف أشاحت بنظرها اتجاهي وقبّلت ابنها، تساءلتُ: لابد انها قبِلت بقيامي بالتصوير في تلك الأوضاع المزرية لكي يعلم الناس ما الذي حصل!.

في أثناء ذلك قام بقية الجنود بنهب وسرقة ما يودون أخذه معهم لاحقاً، آخر الأسرى في تلك الليلة كان عضواً شاباً في وحدات الحركة الشعبية او ما يطلق عليهم “الحشد” الذين بدورهم يحاربون أيضا “الدولة الإسلامية”، كان شاباً سنياً ولكن الحشد الشيعي لا يحبون السّنه، قاموا بجلبه الى مبنى عمر نزار حيث قام أحد الجنود بالاعتداء عليه جنسياً.

الرجال الذين قمت بمصاحبتهم عايشوا معارك صعبة وشاقة ولكن في غضون ذلك ظنوا ان كل شيء مسموح لهم. قتل، اغتصاب كله حلال وشرعي، وعندما عادوا من مداهماتهم الليلية وتم سؤالهم من قبل القيادة العامة عبر الراديو عما فعلوه، اجاب الرقيب نزار: “اوه، كل شيء! لقد قمنا بأخذ الرجال والنساء وغنمنا المنازل.”

وكان الرد من القادة: “حسناً، قوموا بما يتوجب عليكم فعله!” المسؤولون يعلمون كل شيء، أيضاً الأمريكيون لابد انهم على دراية بما يجري.

كان هنالك نوع من المنافسة بين الشرطة الوطنية والقوات التابعة لوزارة الداخلية، حين روى الشرطة كيف وجدوا امرأةً حسنة المظهر في أحد البيوت وقاموا باغتصابها، كانوا رجال قسم التدخل السريع يودون العودة مجدداً إلى هناك سريعاً، ولكن عندما يتعلق الامر بمحاربة “الدولة الإسلامية” تجري الأمور دائماً أبطأ من ذلك.

إذا كان لرجال القوات الخاصة أية استراتيجية، فستكون اخضاع كل السّنة في المنطقة للموت والارهاب، لإجبارهم على الفرار وبالتالي تغيير التركيبة السكانية في شمال العراق.

كانت آخر ايام لي برفقة فرقة الرد السريع، لا أستطع الاحتمال أكثر من ذلك، صورت ما حدث وتساءلت: كان من الممكن ان تكون تلك زوجتي او بنتي!، عندما أقدم النقيب عمر وأحد الجنود مجدداً على ضرب الأسرى، طلب مني ان أشاركهم الضرب، كان موقفاً سخيفاً: الكل يعاملني كجزء من فريقهم.

كنت مجبراً على فعل ذلك بدافع الخوف. كنت كردياً، اعمل لصالح وكالة تصوير أمريكية ووحيداً، في حين هم كانوا أربعة مسلحين، كانوا يصيحون مراراً وتكراراً: تعال الان، اضرب معنا، هيا! حينها قمت بصفع أحد الأسرى على أذنه، ليست بقوية ولا ضعيفة، كان الأمر فظيعاً وذلك كان اخر شيء قمت به هناك.

ادعيت أن ابنتي مريضة ويجب عليّ العودة الى المنزل، توجهت عائداً إلى مدينتي “خانقين” ولكن لبضعة أيام، لاحقاً استطعت أن أنقل عائلتي إلى بر الأمان وأغادر العراق، موطني. لقد كان جلياً لي أن حياتي وحياة عائلتي ستكون في خطر بمجرد نشري لأدلة جرائم الحرب.

الآن باستطاعتي استيعاب لماذا كانت السيطرة على الموصل وباقي المناطق السُّنية بالغة السهولة على “الدولة الإسلامية”، الناس هنالك لديهم مخاوف من عدم النجاة في غياب ميليشيات تحميهم، إلا أن “الدولة الإسلامية” أدت فقط الى تفاقم وضعهم في نهاية المطاف.

الآن نحن نعيش بالخارج، أين بالضبط؟ لا أستطيع الإفصاح لدواعي أمنية، أتساءل في بعض الأحيان عما يدور بأذهان عمر وحيدر الآن حولي. نعم، لم أقم قط بمخالفة أي اتفاق ولا قمت بالتصوير خفيةً.

لكل راقب بعناية كيف قمت لساعات بتوثيق انتهاكاتهم، بل أنهم يرسلون لي لاحقاً فيديوهات عن جرائمهم عندما أطلب منهم تزويدي بذلك، بل أنهم قالوا لي صراحةً بانه باستطاعتي استخدام الفيديوهات المتعلقة بالأخ المقتول لأغراض توثيقية، لقد باتوا غير قادرين على التمييز بين الصحيح والخاطئ.

في بادئ الأمر وددت أن أتجول معهم الاثنان في الموصل بعد معركة التحرير الموجعة كجزء أخير من تاريخنا المشترك ولكن هذا لم يحصل مطلقاً، وددت تصويرهم كأبطال ولكن هذا أيضاً غير ممكن.

ليس من السهل ان تبدأ حياةً جديدةً في مكان آخر. خانقين موطني ويروق لي العيش فيها ولكن هذه ضريبة عملي إذ علي نشر ما شاهدته.هذه ضريبتي وأدفعها.

مُنذ فهم عمر، حيدر وباقي الضباط ما يعنيه نشر أفعالهم ومدى خطورتها، أتلقى تهديدات بدأت بأسئلة من شاكلة: من الضروري أن نتحدث مع علي، أين هو؟ ثم اصبح الامر أخطر، خطيراً جداً.

حينما سافرت الى قطر في الرابع من يناير ٢٠١٧ كان لا يزال كل شيء على ما يرام. قمت بالتواصل مع حيدر علي عبر الفيس بوك وسؤاله عما إذا كان باستطاعته إرسال الفيديو الذي قام به هو والنقيب عمر ناصر بإرداء أحد المساجين قتلاً بالرصاص من الخلف حيث كان يهم بالفرار بحياته مسرعاً عبر السهول واستمروا بذلك حتى وهو ملقى على الارض.

“بالتأكيد” اجاب حيدر وأرسل لي الفيديو. لازلت احتفظ به على هاتفي إلى هذا اليوم.

مصدر Der Spiegel

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.