حكاية بلد: دورا اوروبوس – دير الزور

0 579

تقع دورا أوروبوس (Dura-Eupopos) إلى الجنوب الشرقي من مدينة دير الزور، بين مدينتي الميادين و البوكمال وعلى مسافة تسعي كيلومتراً على الطريق المؤدية إلى مدينة البوكمال، وتمتد على الهضبة الغربية لنهر الفرات، وعلى رقعة غير منتظمة الشكل تقارب مساحتها السبعين هكتاراً، محاطة بأسوار منيعة تدعمها حواجز طبيعية، مما جعلها تشكل نقطة مراقبة هامة لطرق القوافل البرية والنهرية، وينتشر خارج أسوار المدينة عدد من المدافن الأرضية والبرجية وأقواس النصر وبقايا معسكر الحصار الساساني. تم تأسيس دورا أوروبوس مع نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، على يد أحد ضباط الملك سلوقس الأول ، كحامية عسكرية مقدونية بسيطة، محتمية بقلعة حصينة تمكنها من بسط السيطرة على الفرات الواصل بين عاصمتي الإمبراطورية السلوقية أنطاكية وسلوقية (على نهر دجلة)، ويبين اسم دورا أوروبوس أصلها، فكلمة دورا تعني «الحصن» باللغة الآشورية-البابلية أو الآرامية وأوروبوس اسم مسقط رأس سلوقوس الأول. وتحولت هذه الحامية إلى مدينة في القرن الثاني قبل الميلاد حين اكتملت تحصيناتها الخارجية وتقسيماتها الداخلية وفق النموذج الإغريقي الخالص.

The Consecration of the Tabernacle, painted panel from west wall of synagogue, Dura-Europos, Syria, 245-246 CE, tempera on Plaster, Early Jewish
The Consecration of the Tabernacle, painted panel from west wall of synagogue, Dura-Europos, Syria, 245-246 CE, tempera on Plaster, Early Jewish

مع بداية القرن الثاني قبل الميلاد هاجم البارثيون القادمون من إيران هذه الأراضي ، ومن أجل الدفاع عن المدينة، تم استكمال بناء أسوارها بمادة اللبن بدلاً من الحجر المنحوت، ولكن لم يكتب لمباني ساحتها المركزية أن تستكمل، فقد وقعت المدينة تحت السيطرة البارثية عام 113 ق.م، وبقيت لثلاثة قرون خاضعة للإمبراطورية البارثية، وعاشت في هذه المرحلة عصرها الذهبي من حيث السلام والتآخي بين الأديان، فتشابه الإله زيوس مع بل، وتحولت أرتميس إلى نانايا ووجدت آلهة جديدة مكاناً لها كآلهة ما بين النهرين والفرات وشمالي سورية و الفينيقيين. وفي عام 165م احتلال الرومان المدينة لتعود ثانية حصناً عسكرياً مدافعاً عن الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية وأصبح سكانها مواطنين رومان بفضل مرسوم أصدره الإمبراطور كركلا، وأضاف الرومان إلى المدينة بعضاً من أقواس النصر والمعابد العسكرية والقصور. ولم يدم حكمهم للمدينة أكثر من قرن، عندما أعاد الساسانيون احتلالها، ودمروها على يد شابور الأول عام 256م، وتركوها أثراً بعد عين، إذ زارها بعد قرن من هذا التاريخ الإمبراطور الروماني جوليان فوجدها مدينة أشباح، وهجرت المدينة إلى القرن السابع الميلادي، ثم استوطنتها مجموعة أموية بجوار قلعتها قبل أن تترك للنسيان. في نيسان عام 1920 قامت الكتيبة الهندية من الجيش الإنكليزي والتي كانت تخوض آخر المعارك في هذه المنطقة من سوريا ضد الجيش العثماني، قامت بحفر خنادق دفاعية بجانب سور المدينة، فتكشف لهم لوحتان جداريتان الأولى تمثل كاهن سوري ، والثانية تمثل ضابط روماني يقدم الأضاحي لآلهته. أول عالم آثار عمل في الموقع في ذات العام كان الأمريكي James Henry Breasted وبعد عامين من الاكتشاف بدأت أول حملة تنقيب جدية في الموقع.

West Wall, Synagogue, Dura-Europos, Syria, 245-246 CE, tempera on plaster, Early Jewish
West Wall, Synagogue, Dura-Europos, Syria, 245-246 CE, tempera on plaster, Early Jewish

بعد ذلك أتى البلجيكي Franze Cumont ومن ثم مشروع فرنسي أمريكي استمر لعشر مواسم من عام 1928 حتى عام 1937 وتوقف لنفوذ موارد تمويله. وأتى بعدهم مشروع روسي ضخم أشرف عليه العالم Mikhail Rostovtzeff وتم من خلال هذا المشروع اكتشاف معظم الأمور المهمة. في عام 1980 انطلق مشروع سوري فرنسي ترأسه الفرنسي Pierre Leriche. قامت بدراسة التحصينات، وإجراء الترميم على أجزاء هامة منها، ومنها القصر الكبير، الذي شهد أعمال توسيع في بداية القرن الثاني قبل الميلاد، وقد تم العثور على فخاريات من العصر الأشوري، تثبت أن الموقع كان آهلاً وعامراً بشكل واسع قبل الفتح المقدوني ، ولم يقتصر على حصن بسيط كما كان يظن. قامت البعثات الثلاث التي عملت في الموقع بتنقيب مساحة ثلث مساحة المدينة فقط، إذ أظهرت هذه التنقيبات الأسوار والأبراج الستة والعشرين والبوابات الثلاث إضافة إلى القلعة وعدد من القصور (قصر القلعة، قصر الحاكم، قصر حاكم النهر) والشارع الرئيسي المعمّد والساحة المركزية وخمسة حمامات رومانية وسبعة عشر معبداً، أهمها معبد بل ومعبد أرتميس وعثرغاتيس والبيت المسيحي الأقدم في العالم والكنيس المحلي المعاد بناؤه في متحف دمشق؛ وقد زُيّن معظم هذه المعابد برسوم جدارية تظهر النزعة الطبيعية والفنون الطقسية المرتبطة بالأصول الإغريقية لفن الأيقونة، مما أهّل دورا أوروبوس لنيل لقب «بومباي الصحراء». كما تم العثور أيضاً على الكثير من التماثيل والمنحوتات، كتمثال الإلهة أفروديت فوق درع السلحفاة، ومنحوتة الإله آرصو ومشهد الإله بل وكثير غيرها، وقد عكست هذه المنحوتات طبيعة الفن الخاص بدورا أوروبوس، وتم إنجازها جميعاً بواسطة حجر الجبس، وبيد نحاتي المدينة، وعثر كذلك على العديد من المخطوطات الرقية والنقود، وأشلاء من ورق البردي والنقوش الكتابية، والتي كان أحدث ما اكتشف منها ذلك النقش اليوناني الذي وجد مؤخراً في إحدى درجات المسرح الصغير التابع لمعبد أرتميس، والذي ساعد في فهم الواقع السياسي للمدينة، إذ يقول النقش: «من مجلس الشورى في دورا إلى سبتيميوس أوريليوس ليزياس الحاكم الرئيس والقائم الإمبراطوري على رعية المدينة مع الشرف السرمدي». توجد قطع من هذه الأثار في كل من : المتحف الوطني في دمشق: جداريات المعبد اليهودي والحصان المدرع. متحف اللوفر في باريس: لوحات جدارية ومنحوتات. جامعة يالي للفنون الجميلة في الولايات المتحدة الأمريكية – نيويورك – New Haven, Connecticut, USA: وهي تحوي العديد من مكتشفات دورا أوروبس، الكثير منها ما زالت تحت الترميم وغير معروضة للعموم. إن دورا أوروبوس تحوي أول كنيسة في العالم مع حوض مخصص للعماد، كذلك عثر في دورا أوروبس على أقدم رسم تصويري للسيد المسيح، هذا الرسم يصور معجزة شفاء المقعد، وهذه اللوحة موجودة حالياً في جامعة يالي في نيويورك. كنيسة منزلية تعود إلى عام (232 م) في عام 1934 اكتشفت البعثة أمريكية في دورا أوروبوس قطعة من مخطوط كتبه “تاتانيوس السوري”، مؤسس فرقة “المتزهِّدين” وهي واحدة من سبع مذاهب نسكية مسيحية، وهو باللغة اليونانية. وكان قد تُرجِم إلى عدة لغات منها اللاتينية والأرمنية والعربية. وقد علَّق عليه القديس أفرام السرياني (القرن الرابع.م). وهو المخطوط الوحيد المتبقي من كتابات تاتيانوس التي فُقِدَت جميعاً. الجداريات والرسومات والتي يعتقد العلماء أن بعضها يعود إلى عام 165 بعد ميلاد السيد المسيح تم في آخر الثلاثينيات من القرن العشرين تم قص الجدران التي كانت عليها الرسومات برفق ونقلها قطعة قطعة إلى دمشق، وعرضت في متحف دمشق الوطني. يتألف الكنيس من باحة تحيط به ثلاث أروقة، وقسم لرجال الدين وقاعة عبادة مستطيلة الشكل ولها بابان، أحدهما رئيسي في الوسط يدخل منه المصلون والجدران الداخلية مزينة برسوم موزعة في أربعة صفوف متوازية، الصفوف الثلاث العلوية عبارة عن مشاهد مقتبسة من العهد القديم، والصف السفلي يمثل صور حيوانات ووجوه لا علاقة له بالمشهد العلوي، وسقف الكنيس مزين بألواح فخارية مربعة الشكل وعليها رسوم نباتية مجسدة في صورة إنسان، وما يميز هذه الرسوم طابعها الفني المحلي. يعود إلى عام 244 م ومن أهم الكتابات الآرامية الموجودة نذكر كتابة أرامية جاء فيها أن هذا المعبد قد شيد في سنة:565 سلوقية أي السنة الثانية من تولي الامبراطور فيليب العربي الحكم. في هذه المرحلة من الأزمة السورية تعرضت المدينة لعمليات نهب و سرقة كثيرة.وقد شهد الموقع تعديات عمرانية أيضاً، إضافة إلى أعمال التنقيب غير المشروع، إذ بنى بعض السكان بيوتاً لهم ضمن الحرم الأثري للموقع الذي تقدر مساحته بـ 15 كم2، وأُحدِثت محطة محروقات قبالة البوابة الرئيسية للموقع. إن من يتأمل الموقع وتاريخه، يجد فيه مزيجاً من حضارات مختلفة تركت بصماتها فيه، بداية من مخططها الشطرنجي الإغريقي إلى معابدها البارثية المتأثرة بحضارة ما بين النهرين ، انتهاءً برموز وشعائر النصر الرومانية، والآلهة المختلفة السورية واليونانية والشرقية والرومانية، كل ذلك جعل من دورا أوروبوس بوتقة انصهرت فيها مختلف أشكال الفنون ومفترقاً تقاطعت عنده الحضارات الشرقية والإغريقية مبدعة نتاجاً فنياً ساحراً ولا أدل على ذلك من رسومها الجدارية التي تعد المحطة الأساسية والأهم لأي باحث في العالم يرغب بدراسة فن الأيقونة أو الرسم الجداري. ويمكن العثور على مكتشفات دورا أوروبوس في متحف دمشق ومتحف دير الزور ومتحف جامعة YALE الأمريكية.

Interior of a synagogue Dura-Europos, Syria Tempera on Plaster
Interior of a synagogue
Dura-Europos, Syria
Tempera on Plaster

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.