حكاية بلد – خان الشونة 90 حرفة احترقت

0 566


مدينة حلب، إحدى أعرق حواضر العالم وثانية كبرى مدن سورية وعاصمة شمالها، فيها مجموعة كبيرة من المعالم التاريخية والأثرية والمعمارية والسياحية. التي اثارت كل من زارها، ولا شك، حرفها وصناعاتها اليدوية التي ازدهرت في المدينة منذ مئات السنين على أيدي حرفيين مهرة توارثوها أبا عن جد. والواقع، أن حلب اشتهرت عبر القرون بموقعها الاقتصادي والتجاري المهم،و الجدير بالذكر أن مدينة حلب وحدها تضم أكثر من 20 خان , وللمحافظة على الحرف الحلبية اليدوية خصصت الجهات المعنية في حلب أحد الأماكن التاريخية التراثية في المدينة القديمة، هو «خان الشونة لتجميع الحرفيين وعرض منتجاتهم في محلاته. وبات التجمع الحرفي هذا يعرف باسم “سوق المهن اليدوية”، واستقطبت السوق منذ افتتاحها عشرات الحرفيين،من كافة الأجيال الذين حرصوا على حفظ أو إحياء مهن الآباء والأجداد وصونها من الانقراض. يقع «الخان» قبالة المدخل الرئيس لقلعة حلب التاريخية الشهيرة إلى الجنوب الغربي منه، ويذكر أن “الخان” شيّد عام 1548 في عهد الوالي العثماني خسرو باشا، وهو من تصميم المهندس العثماني الأشهر سنان باشا “معمار سنان”، ولقد تعرّض عبر تاريخه لكثير من الأحداث كما رضخ لأعمال الترميم. أما سبب تسميته فهو أنه كان في إحدى الفترات مستودعا لنبات الشونة المستخدم علفا للمواشي، وفي الحرب العالمية الأولى تحوّل لمكان لتخزين ذخيرة القوات المسلحة الألمانية. ولكن عام 1983 تسلّمت وزارة السياحة «الخان» من مديرية الآثار والمتاحف السورية، وعكفت لمدة سبع سنوات على ترميمه ليتحول لاحقا إلى سوق للحرف اليدوية الحلبية. واليوم يضم سوق «الخان» نحو 46 محلا للحرفيين، وتتوزع المحلات أو الدكاكين على طرفي السوق. فـالخان عمليا يضم سوقين متعامدتين مع باب كبير وسور. وتتميز أروقة السوق بالفتحات الخاصة السقفية والجانبية للتهوية والإضاءة. كذلك يتميز الخان بباحته الواسعة وبركة الماء التي تتوسّطها وبواجهاته المزخرفة وجدرانه الجميلة المزودة بالكتابات التراثية وبالقناطر والقبب والأرضيات المحضّرة من الحجر والمرمر، وبمداخله المزوّدة بأقواس معمارية تراثية وبالأبواب الخشبية المصفحة بالحديد، مع باب صغير يطل على باحته الرئيسية التي تتموضع على مساحة نحو 750 مترا مربعا. وتوجد في “الخان” مرافق خدمية سياحية متنوعة لتخدم السائح والزائر. فـالخان يتميّز بجماليات فنية ومعمارية رائعة، وبزخارف هندسية وتراثية طاغية على المكان، وبإبهار بصري يثير إعجاب كل من يزور السوق. يوجد في الخان مهنة النسج اليدوي، التي اشتهر بها حرفيو حلب منذ مئات السنين، باستخدام الأدوات اليدوية فيها.. ومنها الفرّاز والمطواة والزيكون والمدرج والمنقاش والمشط. و تنتج الورشات الموجودة في الخان العباءات المطرّزة والمزركشة والشالات (اللفاعات) والحطّات (الكوفيات) وقنابيز الجوج والمنسوجات الحريرية والألبسة التراثية التي يحرص بعض الحلبيين على ارتدائها خاصة في المناسبات الاجتماعية. ومن الحرف اليدوية الحلبية التي تأخذ تسميات محلية دارجة هناك نسيج «الصايات» الذي برع بصناعته الحلبيون لقرون عديدة، وهو من نوع يطلق عليه “سبع ملوك” وهناك “الحتارة” من غزل الصوف و”الشاهية” و”الدرفلي” و”دق الليرة” والألاجه ” وهو قماش قطني وجهه وظهره من نفس النوع والحياكة والمظهر” و”الآغباني”.. الذي كان يطلق عليه الحلبيون اسم الزنانير الهندية، ويتميز بزخارفه ورسومه الجميلة. وكل هذا، بجانب الصوفيّات والمقصبات وصناعة البسط والسجاد اليدوي وغيرها من الصناعات النسيجية التي عرفتها مدينة حلب منذ الألف الثالث قبل الميلاد. ويؤكد عدد من الباحثين والمهتمين أن مدينة ليون الفرنسية، التي اشتهرت بالنسيج، أخذت الكثير من صناعة النسيج الحلبية. أيضا، من الصناعات الحلبية اليدوية التي تنتشر في «الخان» (السوق) صناعة النحاسيات، ومنها المطعّم بالفضة. ثم الصناعات الخشبية كالموزاييك وتطعيم الخشب بالصدف والعظم والنحاس، والخشب المخروط حيث يجتهد الحرفيون الحلبيون للاستفادة منه بإنتاج مشربيات النوافذ، والحفر والكتابة على الخشب. كذلك هناك الصناعات الجلدية المطبوعة والمضفورة والمضغوطة والحقائب والأحذية، والصناعات الزجاجية كالزجاج المنفوخ والمعشّق بالجص. ومن أبرز حرف السوق اليدوية أيضا التي طالما اشتهرت بها حلب صناعة الصياغة والمجوهرات الذهبية والفضية وبالترصيع بالأحجار الكريمة، وتحتل مدينة حلب المركز الأول بين المدن السورية في مجال الصياغة اليدوية. ومن منتجات صاغتها المتميزة في هذا المجال الخلاخيل والكردانات وليرات تباريم وقلادة الغوازي والقرنفلة على الأنف ودق الألماس وغيرها، ولا بد من ذكر مهن الصباغة وصناعات السيراميك والخزف والآراكيل والفسيفساء وغيرها. و في ظل الأزمة السورية الراهنة تعرض الخان لحملة ممنهجة لتدميره,ففي عام2013 تم احراق الخان و هذه المهن التي كانت لقمة عيش لكثير من الحلبيين ,و كذلك رمزا لتراث حلب فحلب هذه الأيام تئن تحت وطأة القتل والبطش وآلة حرب النظام التي لم تبق ولم تذر فدمرت البيوت والمصانع ومآذن المساجد وأحرقت الأراضي الزراعية وشردت المدنيين وأمعنت في إذلالهم بحرمانهم من الحاجات الأساسية كماء وكهرباء ونهبت الكثير من الآثار وحلب التي كانت على طريق الحرير وصلة الوصل بين الشرق والغرب صارت طريقا للألم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.