الجموح نحو تشريع عقوبات جديدة على إيران وذعر الإيرانيين وأوباما على حد سواء

س

القوانين مثلها مثل النقانق, من الأفضل عدم مشاهدتها وهي ُتعّد” – بسمارك.

هذه المقولة تنطبق بشكل يثير الإستغراب على العملية التشريعية التي ستوضح في هذه المقالة.

مسودة مشروع قانونكيرك مينيندزتم نشرها في 23-1-2015 وطرحت على الكونغرس في 28-1-2015. رسمياً تدعى تشريع من أجل إيران خالية من الأسلحة النووية 2015 ” ولكن عملياً يدعى هذا التشريع بأسماء راعييه الأساسيين : السيناتور مارك كيرك جمهوري عن ولاية إيلينويس“, والسيناتور بوب مينينديز ديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي وكبير ديمقراطي لجنة العلاقات الخارجية “. وهذه المسودة هي عبارة عن تشريع لضمانات ديبلوماسية بفرض عقوبات على إيران بحال لم تظهر حسن النوايا في مفاوضاتها بحلول 30-6-2015.

أحد أهم الداعمين لمشروع قانون كيرك – مينيندزهو السيناتور بوب كروكر جمهوري عن ولاية تينيسي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية -. وخلال جلسة استجواب في لجنة الصرافة حول إيران في 27-1-2015 قال؛نحن هنا لا نضيع وقتنا عبثاً, مهمتنا هي التصويت“. والمسألة برمتها هي متى يمكن أن يحصل هذا التوصيت!. بالنسبة للسيناتور كروكر تعقدت المسألة قليلاً, فهو جاهز لأن يدفع بمسودة القانون نحو روتينيات الإعداد ويطرحها على التصويت بأسرع ما يمكن. ولكن إدراكه بأهمية أن يضم الديمقراطيين إلى جانبه, دفعه إلى إرجاء التوصيت قليلاً.

ومع ذلك, هناك إجماع مبدئي على الجدول الزمني بين عموم الكونغرس ولجانه التنفيذية. فبحسب كركور تاريخ 24-3-2015 مناسب لعقد صفقة كهذه والتصويت على مسودة القانون, ومن بعدها يتم مروره بالروتينيات الإعدادية الرسمية ليوقع عليه رسميا في الموعد المحدد لفرض العقوبات في 30-6-2015. ولكن بالإعتماد على تصريحات مساعد وزير الخارجية طوني بلينكن في السابع والعشرين من يناير وتصريح المتحدثة بإسم وزارة وزارة الخارجية الأمريكية جن بساكي في ذات اليوم؛ الإثنان أعتبروا نهاية آذاركموعد للإتفاق السياسي المترقب ( وبالطبع 30-6-2015 موعد إكمال الإجراءات الرسمية ).

بورغس إيفرت منPolitico مؤسسة إخبارية تختص بشؤون الكونغرس – بحث في الميكانيكيات التشريعية لهذه المسودة. ففي الخميس الموافق 29-1-2015 سيبدأ التنقيح الإعدادي لنص المسودة في لجنة الصرافة في الكونغرس ( مناقشات للأعضاء, تعديل, وإعادة صياغة للتشريع المقترح ). إعتبر إيفريت أن الرسالة التي بعث بها أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس للرئيس أوباما هي بالواقع رسالة مبطنة للجمهوريين تعبر عن تفضيل الديمقراطيين أن لا تتم أي محاولة للتصويت الفوري من قبل الجمهوريين في عموم الكونغرس, ولكن في رأي الشخصي أن هذه الرسالة حملت أيضاً في طياتها إجماع مؤيد واضح لأعضاء كلا الحزبين لمسودة قانون كيرك – مينيندز“. هذه المسودة التي قدمت رسمياً برعاية 16 سيناتور كراعين رسميين *تسع أعضاء جمهوريين وسبعة ديمقراطيين* , والآن يضاف إليهم ثلاث ديمقراطيين أعلنوا أنهم سيكونو راعين للمسودة حين تقديمها للتصويت في عموم الكونغرس. كريستينا وونغ من The Hill – جريدة مختصة بشؤون الكونغرس أيضاً – تقدر أنه سيكون في التصويت العمومي 65 سيناتور *52 جمهوري و13 ديمقراطي* داعم لمسودة القانون, العدد القريب جداً من 67 وهو الكافي لإبطال مفعول الفيتو الرئاسي على أي مشروع قرار!.

والآن إلى المسألة الهامة : بالفعل تم إعتماد مسودة قانونكيرك – مينيندزفي لجنة الصرافة – اللجنة المسؤولة عن سن عقوبات إقتصادية – بأفضلية 18 صوتاً ضد 4 أصوات *اللجنة مؤلفة من 12 جمهوري و10 ديمقراطيين* وأصبحت الآن جاهزة للعرض والتصويت عليها في عموم الكونغرس في أي لحظة . هذا التصويت عكس حقيقة الدعم من كلا الحزبين لمقاربة ديبلوماسية أقسى ضد إيران. وجاءت على الرغم من الدفاع المستميت لمدة إسبوعين كاملين من قبل إدارة أوباما والترجي من الديمقراطيين أن يعارضو هذه المسودة, وتوقعات العديديين بإصطفاف الديمقراطيين وراء رئيسهم بسبب الإهانة التي تعرض لها بدعوة عدوه اللدود نتنياهو لإلقاء الخطاب في الكونغرس بدون حتى إخطار الإدارة هذا الشهر. بل ويتوقع أن يكون هذا الإجماع من كلا الحزبين أقوى في تصويت عموم الكونغرس المرتقب. هذا التصويت الذي يتنبأ بأن يكون محسوماً بل حتى لا يمكن إبطاله لصالح مشروع قانونكيرك – مينندزبفرض عقوبات على إيران.

إذا فالرئيس يمكن وعلى الأغلب أن لا يكون لديه الأصوات الكافية لأن يكون للفيتو الذي أعلن عزمه رفعه أي قيمة .

لماذا كل هذا الذعر , ماذا تحوي هذه المسودة بالضبط ؟

تشريع من أجل إيران خالية من الأسلحة النووية 2015″ سيحطم كل ما تدعي الإدارة أنها جهود ديبلوماسية لإيجاد حل لمسألة النشاطات النووية الإيرانية, إلى درجة أنها ستزيل الخيار الديبلوماسي عن الطاولة نهائياً, وستترك الولايات المتحدة بغض النظر عن الإدارة أمام خيارين لا ثالث لهما إما شن حرب على إيران أو القبول بها نهائياً كدولة نووية.

من أجل الرسميات, يدعي الذين يرعون مسودة القانون أنها لن تعطل الجهود التفاوضية لمجموعة الخمسة زائد واحد مع إيران, ولكن قراءة سريعة لنص المادة الثالثة في هذه المسودة تظهر مدى خداع هذا الإدعاء, وخاصة:

القسم 301 (a)(2)(I) : يُطلب من الرئيس أن يضمن, من أجل إيقاف تطبيق هذه العقوبات الجديدة, أن إيران لم تجرِ أي إختبارات لصواريخ بالستية يفوق مداها ال 500 كيلومتر“, وبينما يتوافق هذا البند مع رؤية مجلس الأمن, ولكنه في ذات الوقت يوسع أهداف هذه العقوبات الجديدة لتشمل ليس فقط البرنامج النووي وإنما برنامج الصواريخ خاصة إيران. ولزيادة الطين بلة لا تحدد هذه الفقرة أي إطار زمني ( مع أن مطالبة الرئيس في القسم 201 (a)(1) بتقديم هذه الضمانات دورياً كل شهر يعطي الإنطباع الخاطئ بأن هناك تحديد فترة زمنية معينة). فإذاً تجارب إيران الصاروخية السابقة يمكن أن تجعل من المستحيل بمكان للرئيس أن يقدم ضماناً كهذا ولو لمرة واحدة حتى.

القسم 201 (a)(2)(H) : يُطلب من الرئيس أن يضمن أيضاً أن إيران لم تقم بشكل مباشر أو عبر وسيط, بدعم أو تمويل أو تخطيط أو أي فعل آخر ساعد على القيام بعمل إرهابي ضد الولايات المتحدة أو مواطنيها أو أملاكها في أي بقعة من العالم. ولمرة أخرى لا يوجد تحديد لفترة زمنية , وتاريخ إيران السابق الحافل بالإرهاب قد يجعل من المستحيل على الرئيس أن يقوم بضمان كهذا ولو لمرة واحدة! وحتى لو تغاضينا عن العامل الزمني , هذه الفقرة تعني أن تفجير يقوم به حزب الله لأي قنبلة بالقرب من أي مكتب أمريكي في بيروت سيضع العقوبات موضع التنفيذ, حتى لو كانت نوايا إيران وأفعالها خلال مفاوضاتها النووية على أتم ما يرام , مما يوسع أهداف العقوبات الجديدة أيضاً.

القسم 301 (a)(2)(F) : يُطلب من الرئيس أن يضمن تفكيك إيران لبنيتها التحتية النووية الغير مشروعة. ومع أنه يمكن تصور أن تقوم إيران بتفكيك معظمها إلأ أن من غير الوارد تصور أن تفكك كامل البنية التحتية المخصصة لتخصيب اليورانيوم. وسيبدأ نقاش ذو طبيعة نيكسونية حول المعنى المقصود من هذه الفقرة وهل هي كامل البنية أو أن التوصل لإتفاق يلغي صفة الغير مشروعية عن باقي البنية التحتية الداخلة ضمن الإتفاق وهلم جرّا.

القسم 301 (a)(3) الذي يتعلق بتعليق العقوبات لمدة أقصى من 180 يوم يضيف شرطاً اساسياً أن يكون الموقف التفاوضي قد إقترب جداً من توقيع إتفاقية تبدأ حرفياً بالآتي إيران سوفوسوف تفكك بنيتها التحتية النووية غير الشرعية ….وإمكانياتها الأخرى الحيوية الضرورية لإنتاج أسلحة نووية“. وهذا سيثير نفس معضلة الفقرة السابقة فضلاً عن أن إمكانياتها الأخرىقد تعني أي نسبة تخصيبة كانت, مما يفتح الباب واسعاً لسيناريوهات نيكسونية مرة أخرى في صراعات السياسة الأمريكية.

القسم 301 (a)(4) أي فشل في تقديم أي من تلك الضمانات سيعيد ليس فقط تطبيق العقوبات الجديدة بل حتى بعض العقوبات القديمة والتي تقع تحت بند سلطة الرئيس الأمريكي, حيث بدأ الأخير بالفعل الآن ومنذ ست أشهر بتخفيفها تدريجياً في إطار حسن النوايا الذي يبديه في المفاوضات النووية. وهذا يفتح باب للجدل حول مبدأ فصل السلطات الدستوري وصلاحيات الرئيس.

القسم 301 (b) يتيح للرئيس أن يوقف العقوبات بشكل دوري سنوياً بعد التوصل لإتفاق نهائي فقط ولكن بشرط أن لا يتم رفض الإتفاق من الكونغرس. وهذا كما يراه أنصار أوباما غير ضروري كون أغلب العقوبات المفروضة حالياً ستطلب موافقة من الكونغرس لإزالتها بكل الأحوال. فإضافة بند كهذا لا يفيد بشيء بالنسبة لهم إلا بتخريب الجو التفاوضي.

القسم 301 (b)(1) ينص على أنه لإيقاف العقوبات ما بعد الإتفاق النهائي مع إيران , وحتى إن لم يتم الإعتراض من الكونغرس على هذا الإتفاق, تُطلب ضمانات بالآتي (A) أن يتم تفكيك كامل البنية التخصيبة والقدرات والمنشآت التصنيعية , فضلاً عن مفاعل الماء الثقيل في آراك, وأي مكونات أو تقنيات تساعد على إنتاج الأسلحة النووية. وهذا من المستحيل تطبيقه بحرفيته. (B) أن تلتزم إيران بكافة قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بنشاطاتها النووية , مما يعني أيضاً إيقاف التخصيب نهائياً وهذا لا يمكن تطبيقه بصورة دائمة إلا إذا تخلت إيران بشكل كامل عن طموحاتها التووية السلمية حتى, وهذا لا يبدوا أمراً منظوراً (C) أن يقدم الإيرانيين توضيحاً كاملاً حول كافة المسائل الإشكالية في الماضي والحاضر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية, ونظراً لتاريخ إيران الحافل بالمشاكل مع هذه الوكالة ولإرتباطها بطبيعة تصعيدية إيرانية سعياً لكسب أوراق رابحة من المستحيل بمكان أن تكشف كافة أسرارها ومخالفاتها للقانون الدولي خلال العقد السابق. (D) تفتيش دائم وعلى مدار الساعة لكافة المنشأت النووية الإيرانية إلى الأبد. وهذا أقل ما يقال عنه أنه مرفوض سلفاً من قبل الإيرانيين.

إذا ماذا يرى أوباما والإيرانيين في هذه المسودة حقيقةً:

هذا التشريع سيتجاوز أقصى ما يمكن أن يذهب إليه دول مجموعة الخمس زائد واحد في شروط تنسيقهم لإزالة العقوبات. مما سيدفع لخلل في منظومة العقوبات الجماعية المطبقة من كافة أعضاء هذه المجموعة, وبالتالي مع أن التشريع يدفع لتطبيق عقوبات , هو بالحقيقة يمكن أن يهدم تنسيق العقوبات مع باقي الدول وبالتالي ستبدأ بعض الدول بتخفيف العقوبات بشكل فردي وسيؤدي ذلك إلى تخفيف الضغط المطبق على إيران بصورة عامة وبدون موافقة أمريكية بل في ظل جو إقليمي مشحون بالعدائية بين إيران وباقي دول الخليج وإسرائيل.

وفي هذا السياق يجب أن يُقرأ ما الذي حقاً كان بذهن الكونغرس وهو يعد هذا التشريع. ففي القسم 2 (b)(1) يوضح القانون, أنه إذا وجدت إسرائيل نفسها مضطرة للقيام بعمليات عسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني, يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تقدمالدعم العسكريلإسرائيل.

إذا كخلاصة هذا التشريع بخطواته الصغيرة والتي تبدو حيادية سيؤدي لقطع الفرصة أمام أي حل ديبلوماسي مع إيران وبالتالي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى القبول بإيران كاملة القدرات نووياً وهذا مستحيل, أو وبكل بساطة حرب على إيران تشارك بها قوات أمريكية فضلاً عن الإسرائيليين.

المصادر: الفورين بولسي , مركز الحد من الأسلحة ومنع إنتشارها.

Facebook Comments