ما هو المتوقع من محادثات السلام السورية في موسكو

c

آنا بورشيشفسكايا – معهد واشنطن للدراسات الشرق أوسطية

على الرغم من أنه لا ينتظر أن يكون للمحادثات أي نتائج فورية, إلا أن موسكو يمكن أن تستغلها لتوجيه العجلة نحو الحلول النهائية الأكثر تفضيلاً لها في سوريا.

بعد فشل جولتي محادثات السلام في جنيف للتوصل إلى حل للأزمة السورية, عرضت موسكو في ديسمبر 2014 إجراء حوار بين السلطة السورية والمعارضة لديها. وفي وقت سابق من هذا الشهر, أكد نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف موعد إنعقاد هذه المحادثات في 26-29 من كانون الثاني. وبحسب تقارير الصحافة الروسية, وصف بوغدانوف هذه المحادثات بالإستشارية والتحضيريةوبدون أي شروط أو أجندات مسبقة. وقال أنه يمكن أن ينجم عنها محادثات أكثر جدية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست مشاركة في محادثات موسكو, عبّر وزير الخارجية الأمريكية في 14 من الشهر الجاري في جنيف عن أمله بأن تكون مفيدة“.

من سيحضر

ما زالت تفاصيل اللقاءات شحيحة. فبحسب بوغدانوف, موسكو أرسلت حوالي ثلاثين دعوة إلى أعضاء في المعارضة السورية. ومصادر روسية تؤكد أن السلطة السورية جاهزة للقاء المعارضة في موسكو, ولكن ليس من الواضح من بالتحديد سيحضر من قبلها. بعض التقارير موخراً أفادت بأن مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا سيبعث بنائبه رمزي عز الدين رمزي أيضاً. وفي 17 من الشهر الجاري, إقتبس تقرير صحافي روسي عن وزير الخارجية سيرجي لافروف قوله لم يرفض أحد بشكل قاطع الحضور إلى هذه المحادثات“.

وكان الإئتلاف الوطني السوري – أهم مجموعات المعارضة والمدعوم غربياًقد رفض حضور المحادثات, ولكن موسكو يمكن بشكل ما أو بآخر أن تبرر قرارها بعقد المحادثات على الرغم من ذلك, حيث أن إتفاقية جنيف المتفق عليها في حزيران من عام 2012 تحدد خريطة طريق متفق عليها من الأمم المتحدة لإنهاء العنف في سوريا, قائمة بأساسها على تشكيل حكومة إنتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة وتتألف من أعضاء في السلطة الحالية ومن المعارضة ومن مجموعات أخرى ويجب أن يتم التوصل إلى هذا الجسم التنفيذي عبر إتفاق بين جميع الإطراف. ويمكن لموسكو استغلال هذا الغموض في الصياغة وعدم تحديد من هي مجموعات المعارضة المقصودة, بالإتيان بالمجموعات المفضلة لديها,بالتحديد تلك التي لا تطلب رحيل بشار الأسد كشرط مسبق.

وبدورها إيران تبدو داعمة , حيث يُتناقل عن نائب وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان أنه قال خلال زيارة قام بها إلى موسكو في كانون الأول بأن إيران دعمت فكرة موسكو بإجراء محادثات بين السلطة السورية والمعارضة المعتدلة“.

تأمين دعم الأسد

على الرغم من أن الولايات المتحدة قد دعت مراراً الأسد للتنحي, فإن إتفاقية جنيف تدع المجال مفتوحاً للأسد بأن يبقى طرفاً في الحل المستقبلي للأزمة السورية. وإيران كما روسيا ترغب بأن يبقى حليفها الأزلي الأسد على رأس السلطة, ومن شأن أي محادثات في موسكو من دون مشاركة الإئتلاف الوطني أن تفيد في هذا الإتجاه.

بشار الأسد بذاته كان قد عبر عن دعمه لجهود موسكو حيث قال بعد زيارة بوغدانوف لدمشق في كانون الأول نحن واثقين بأن أي مبادرة روسية ستكون قائمة على مبدأ احترام السيادة الوطنية خاصتنا“. وفي مقابلة حصرية للمجلة الإسبوعية الفرنسية Paris Matchشرح الأسد موقف قيادته بالآتي الهدف الأساسي للقيادة العليا السياسية في سوريا هو تجنب الوقوع في فخ الإعتماد على القوى الغربية“, وأي محادثات في موسكو تخدم هذا الغرض بالذات.

والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ولسبب وجيه!- هو بغاية الحساسية تجاه أي محاولة لإزاحة أي ديكتاتورمن منصبه تحت الضغط. فالصحف الروسية الواقعة تحت سيطرة الكرملين لم تذخر جهداً وهي تحذر من المخاطرو الفوضىالتي ستنجم عن رحيل الأسد خلال السنين الماضية.

الفرص المستقبلية أمام موسكو

على الرغم من أن المحادثات في موسكو تبدو مبهمة وبدائية ولا أمل لأي نتائج فورية لها, ولكنها في المدى الطويل يمكن أن تُكسب موسكو عدداً من الفرص الإيجابية.

فالصراع في سوريا إقترب من سنويته الرابعة, والوضع الإنساني أصبح ملحاً الآن أكثر من أي وقت مضى, بما يتطلب مساعدات طارئة عبر جهود مشتركة في عموم المنطقة. وبرغم تكرار القادة الغربيين لوجوب رحيل الأسد, فإن التقدم المستمر لتنظيم الدولة قدد شتت إنتباه الغرب عن قضية إزاحة الأسد وأصبح الهم الأكبر هو تدبير و حل المشاكل الطارئة الناجمة عن هذا التقدم.

ومع الغياب الواضح لأي سياسة غربية متكاملة بخصوص الصراع السوري, اغتنمت روسيا الفرصة لتدفع بأجندتها الديبلوماسية الخاصة مستفيدة من التحلل في الوضع السوري, عارضةً الأسد كالبديل الوحيد ذو قيمة لإنتصار المتطرفين الإسلاميين أو إنهيار شامل للدولة. وفي الوقت نفسه تسعى لتثبيت إدعائها بأنها لاعب دولي أساسي ومشارك في رسم القرارت الدولية المهمة في عالم متعدد الأقطاب لطالما حلم به بوتين.

التخبط الغربي وعواقبه

في حين كانت سياسة روسيا بخصوص سوريا ثابتة ومتناغمة منذ بداية الصراع في 2011 بدعمها الغير مشروط للأسد, تأرجحت المواقف الغربية بين مطالبات للأسد بالتنحي وقبول ضمني بأن يكون جزء من عملية السلام. ففي معرض جوابها عن سؤال حول إذا ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد شجعت المعارضة السورية على الذهاب إلى موسكو, أجابت ماري هارف الناطقة بإسم وزارة الخارجية الأمريكية في 12 من الشهر الجاريليس لدي المعلومات الكافية, ولكننا نؤمن بأن أي جهد يصل بنا إلى اي تقدم حقيقي هوشيء جيد

هذا التخبط الغربي المستمر أو حتى الصمت يمكن أن يفسر على أنه عدم إهتمام على الأقل, هذا إذا لم يرغب المرء بأن يستنتج منه رغبة بأن يتولى لاعب غير غربي القيادة في حل هذه الأزمة. وبالفعل في غياب سياسة غربية واضحة وثابتة, الموقف الروسي يمكن أن يبرز ببساطة على أنه الخيار الوحيد.

وفي حين لا يفتأ المسؤولون الروس من تكرار أهمية القانون الدولي, إلا أنه في الحقيقة لا يصر الكرملين على هذا الربط إلا إذا كان متوافق مع مصالح موسكو. حيث على الرغم من أن إتفاقية جنيف كانت غير واضحة فيما إذا ما كان يمكن للأسد أن يلعب دور في الحكومة الإنتقالية, إلا أن هدفها الواضح هو إنشاء خارطة طريق تقود سوريا نحو السلام والديمقراطية, وهذا الهدف المترجى يستدعي ضمنياً رحيل الأسد.

إذاً هذه المحادثات القادمة في موسكو وعلى الرغم من تذرعها بإتفاقية جنيف, إلا أن رغبة الكرملين بتفادي التفسير الحالي لهذه الإتفاقية واضحة كل الوضوح. حيث أنه على الرغم من عدم وجود أجندة واضحة لهذه المحادثات, أكد كلاً من الكرملين ودمشق رغبتهما بأن تتمركز حولالحرب ضد الإرهاب“. وهذا الإرهابهو بمعايير كلا الطرفين أي فصيل معارض مسلح يحارب ضد الأسد.

توصيات بخصوص السياسة الواجب إتباعها

إذا أتيح لبوتين أن يحصل على مراده وأن يبقى الأسد في السلطة, فإن هذا النتاج يترتب عليه عواقب جدية. منها تدمير مصداقية الأطراف الغربية التي طالبت برحيله وبالتالي إظهار المجتمع الدولي بمظهر المُتردد والذي لا يمكن أن يعتمد عليه بالنسبة للآخرين في روسيا أو الواقعين في فلكها والراغبين بدورهم بالتخلص من ديكتاتوريهم. مما يسمح لبوتين بالإيحاء بأن هناك شرعية دولية ما لإجتياحه لأوكرانيا على الرغم من الغضب الأمريكي والأوروبي. مجدداً بذلك دور روسيا القديم كلاعب دبلوماسي مسيطر على الساحة الدولية.

يجب على الولايات المتحدة الأمريكية التي على ما يبدو تتخذ موقف دعنا ننتظر ونرى ما سيحدثأن تعيد التذكير بضرورة أن يرحل الأسد في النهاية. يجب أن توضح للروس بأنهم يمكن أن يلعبوا دور مهم وبناء إذا سهلوا رحيل الأسد من خلال العملية الإنتقالية التي تدعو إليها إتفاقية جنيف. حيث أن الإصرار بأن الأسد هو جزء من المشكلة وليس من الحل سيساعد على تعميق الدعم للتحالف الغربي المقاد أميركياً ضد تنظيم الدولة في سوريا, فالعديد من السوريين العاديين, كما الأتراك ومواطني دول الخليج, غير متحمسين لهذا الإئتلاف كونهم لا يرون مستفيد منه في المرحلة الحالية إلا الأسد.

يجب أن تظهر الولايات المتحدة الأمريكية للروس والإيرانيين ونظام الأسد إلتزامها الواضح والطويل الأمد بالتصدي للمذابح الطائفية في سوريا, تلك المتركبة من قبل الأسد أو تنظيم الدولة على السواء. وتشريع من الكونغرس يتيح استخدام القوة العسكرية في سوريا يمكن أن يخدم في هذا الإتجاه. فبالنسبة للأسد الرغبة الأمريكية بإستخدام القوة العسكرية ضد تنظيم الدولة قد تعني رغبة مستقبلية بإستخدام هذه القوة لإستهداف قدراته الجوية.

آنا بورشيشفسكايا هي باحثة زائرة في معهد واشنطن وباحثة في المنظمة الأوروبية من أجل الديمقراطية.

المصدر معهد واشنطن للدراسات الشرق أوسطية

Facebook Comments