البرنامج النووي السوري، قصة إيرانية على أرض سورية

syrian-flag-hazmat-1

سوريا، مملكة الصمت. قد نالت هذا الإسم وبجدارة بناءً على سمعتها التي كسبتها على مدى الأربعين عاماً من حكم البعث ونظامه الذي كمم الأفواه ومنع الحريات. ولكنها قد نالت هذا اللقب ايضاً لأسباب أخرى كثيرة منها جهل الجميع عما يدور ضمن ال185.180 كيلومتر مربع فما من سوري يجرؤ عن السؤال حتى عما يفعله النظام بطولها وعرضها لإنعدام الشفافية والتي تبجح النظام بها وجعلها واحدة من شعاراته الجوفاء في عهد الأسد الإبن.

ومع عودة الكلام لسعي سوريا إمتلاك سلاح نووي بعد تقرير نشرته الأمس صحيفة الديرشبيغل الألمانية حول قيام النظام السوري ببناء منشأة سرية تحت الأرض على الحدود السورية اللبنانية مخصصة لنشاطات نووية غير مدنية، وتداعياته المحتملة على البلد التي مزقته الحرب طيلة الأربع سنوات.

فالملف النووي السوري ملف شيق ومجهول بآن معاً . فسوريا حالها كحال الأنظمة الصديقة -كإيران وكوريا الشمالية- سعت لإمتلاك ترسانتها من هذا السلاح المحرم دوليا بعدما إمتلكت ما تيسر لها من الأسلحة الكيماوية والجرثومية والتي لم تتوانى عن إستخدامه في الحرب الأهلية الدائرة هناك. بدأ البرنامج النووي السوري عام 1969 بتوقيعها معاهدة منع الإنتشار النووي ، أي بتعهدها بانها لن تستخدم برنامجها النووي لأغراض غير المدنية والبحثية أو العلمية. وبتعهدها بكشف كامل أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لنشاطاتها كافة. حيث أنها تملك مفاعل واحد فقط معلوم لوكالة الطاقة الذرية حيث أنها وافقت على عملية تسلمه من الصين عام 1992 ليبدأ بالعمل رسميا عام 1996 في منطقة تدعى دير الحجر في غوطة دمشق الشرقية. وهو يعتبر أصغر مفاعل نووي للأبحاث في العالم بطاقة لا تتعدى ال30 كيلو واط. يعرف بإسم SRR-1 وقد حذرت روسيا الغرب من إستهداف هذا المفاعل صيف 2013 عند الحديث عن ضربة أميركية محتملة للنظام السوري جراء إستخدامه السلاح الكيماوي على غوطة دمشق آب/أغسطس من نفس العام. ويمتلك النظام منجمي تنقيب عن اليورانيوم قرب تدمر وخنيفيس ،ومختبرات أبحاث ضمن جامعة دمشق.

هذا ما كان يعرف عن البرنامج النووي السوري طيلة القرن الماضي وكان تحت أنظار الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومراقبتها، ولكن كل ذلك إختلف في أيلول/سبتمبر 2007. حينما أعلنت إسرائيل بأنها دمرت منشأة نووية سورية (الكبر) قيد البناء في محافظة دير الزور بنجاح بغارة جوية واشيع وقتها بمقتل 10 خبراء كوريين شماليين يساعدون النظام على بناءه. وطبعاً النظام قام بنفي تلك الإدعاءات جملة وتفصيلا ،حيث صرح بأنها كانت منشأة زراعية للأبحاث في المرة الأولى، وبعدها قال بأنها منشأة عسكرية “مهجورة” على لسان بشار الأسد بعد ذلك. وسُلط الضوء وبشدة على الموضوع النووي السوري من قبل الوكالة الدولية وطالبت بزيارة الموقع المقصوف مع تعنت السلطة في دمشق برفضها الزيارة وتأجيلها . إلى أن تمت زيارة وحيدة عام 2008 حصل وقتها المفتشون على عينات كشف فيها بقايا يورانيوم غير طبيعي (أي مصنع بشريا)، ومن بعدها رفض النظام أي زيارة أخرى تقوم بها المنظمة للتحقيق أكثر وللوصول إلى نتائج حول الموضوع ليعلن بعدها رئيس الوكالة عام 2011 بان المنشاة بالفعل كانت على الأغلب مفاعلاً نووياً لم تفصح سوريا عنه.المثير للجدل قيام النظام بردم بقايا المبنى المفترض للمفعل مباشرة بعد الزيارة، والبناء فوق أراضيه مبنى آخر يماثل المفاعل بالشكل وبسرعة قياسية .وذلك لمنع أخذ أي عينات من الموقع ولوقف أي عمليات تحقيق فيما يتعلق بمفعل الكبر النووي.

صورة بالأقمار الصناعية لمفاعل الكبر عام 2007 ،قبل وبعيد الضربة الإسرائيلية.

صورة بالأقمار الصناعية لمفاعل الكبر عام 2007 ،قبل وبعيد الضربة الإسرائيلية.

 

وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية صوراً للمبنى الجديد الذي أقيم على أنقاض منشاة الكبر ،تماثل هنغاراً ضخماً أقيم فوق الموقع المستهدف سابقاً. وبقي الموقع بعيدا عن الأنظار عدى عن أعين الأقمار الصناعية حتى شباط/فبراير 2013. (موعد سقوطه بيد مقاتلي الجيش السوري الحر ).

صورة بالأقمار الصناعية لموقع الكبر قبيل وبعد سيطرة المعارضة عليه عام 2013.

صورة بالأقمار الصناعية لموقع الكبر قبيل وبعد سيطرة المعارضة عليه عام 2013.

 

     عند النظر إلى الموقع بواسطة الأقمار الصناعية خلال الفترة الواقعة بين تشرين أول/أكتوبر 2011 وكانون الثاني/يناير 2013 يظهر الموقع صامداُ مع حركة طبيعية في محيطه . إلى ان سقط في أواخر شهر شباط/فبراير من نفس العام بقبضة مقاتلي المعارضة السورية وتدمير قسم كبير من هذا الهنغار والذي لم يكن يحوي إلا على صاروخ سكود واحد فقط مما يثير التساؤلات عما كانت غاية الموقع الحقيقية؟ علما بأن الهنغار ضخم جدا وخاوي تقريبا من أي شيء سوى ذلك الصاروخ اليتيم.

عند دخول مقاتلي المعارضة لاحظوا مداخل محفورة ضمن التلال المحيطة بالموقع، ومدفونة بردم التربة عليها . والحُفر كانت كبيرة لدرجة إمكانية إدخال أكبر آلية ضمنها، ووجدوا أيضاً خزانات مياه كبيرة مدفونة تحت الأرض جوار المبنى الرئيسي (قد تستخدم لتبريد المفاعل النووي) مما قد ينسف رواية النظام عن أن المنشأة هي منشأة زراعية فقط. وقد حصل تحرير سوري على صورة صورت في شباط/فبراير 2013 يظهر بها خزانات التبريد.

10835140_423625397787904_5616012928379757350_o

خزانات التبريد الواقعة قرب منشأة الكبر النووية، الصورة إلتقطت في شباط/فبراير 2013

 

وفي أيار/مايو 2014 سيطر مقاتلون تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الموقع بعد معارك مع المعارضة السورية المسلحة، وكان الملفت بالموضوع والكلام هنا للديرشبيغل قيام الدولة الإسلامية بتقديم عرض لمفتشي الوكالة النووية للطاقة الذرية لزيارة الموقع والإطلاع عليه وأخذ عينات منه، إلا أن فيينا رفضت هذا العرض، لما فيه من إعتراف دولي بالدولة الإسلامية بصورة أو بأخرى.

وقد كشف تقرير ديرشبيغل الأخير عن المنشأة الجديدة، حيث قالت بأن بعض اليورانيوم كان مخبأ في مرج السلطان قرب دمشق، وهو موقع تنظر إليه وكالة الطاقة النووية بعين الشك والريبة، فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية نشاطاً مشبوهاً لنقل الكميات تلك والتي تقدر بحوالي ال50 طن من اليورانيوم كافية لصنع 5 قنابل نووية عند إنتهاء تخصيب كامل الكمية .

منشأة مرج السلطان المشبوهة والتي تستخدم لتحويل كعكة اليورانيوم الصفراء إلى يورانيوم تيترافلورايد

منشأة مرج السلطان المشبوهة والتي تستخدم لتحويل كعكة اليورانيوم الصفراء إلى يورانيوم تيترافلورايد

وتتابع الصحيفة أنه تم اعتراض إتصالات لاسلكية جرت مؤخراً من قبل جهات إستخبارية أجنبية، وحددت تلك الجهات إلى أن أحد الأشخاص ينتمي إلى حزب الله اللبناني من موقع إصطلح عليه “زمزم”، مع مسؤول سوري رفيع المستوى، أشار فيها خلال المكالمة إلى “المصنع النووي”، وأنه ورد في المكالمة اسم بلدة القصير، وكثيراً ما كان ذلك الشخص يتصل بإبراهيم عثمان، رئيس الهيئة السورية للطاقة النووية.

وأوضحت صور الأقمار الصناعية عدم وجود أي آثار أو مباني في الموقع المفترض قبل أيلول/سبتمبر 2011 في موقع مفاعل القصير، أي أنه على الغالب قد بدء ببناء هذه المنشأة من قبل بدء الإحتجاجات والثورة في سوريا في آذار/مارس من نفس العام. المنشأة متموضعة على الحدود السورية اللبنانية (وهي بالأصل غير مرسمة بين البلدين) حيث أن الدخول والخروج إليها فيما سبق من خلال عبور الحدود بصورة غير مشروعة سهل خصوصاً لعناصر حزب الله. ففي تلك المنطقة يحمل العديد من قاطنيها الجنسيتين السورية واللبنانية ،وكتركيبة إثنية فمعظم قاطنيها من الطائفة الشيعية. وقد كان ذلك مبرر الحزب المعلن للتدخل في الحرب السورية ، حيث إدعى بأن العوائل هناك يتعرضون لإعتداءات طائفية من قبل قوى المعارضة السورية والتي سيطرت على بلدة القصير المحاذية لتلك القرى في بداية الأحداث في سوريا . فمن المحتمل أن حزب الله قد إستخدم حاضنته الشعبية كمبرر لدخول سوريا وحماية ذلك الموقع من السقوط بأيدي مقاتلي المعارضة السورية، حيث إستطاع في منتصف عام 2013 بسط سيطرته على بلدة القصير السورية وتهجير أهلها وإستباحتها أمام مقاتليه لحماية ذلك الموقع النووي المفترض لأسباب مبطنة غير الهدف الظاهر فقط.

صور من الأقمار الصناعية للموقع النووي السوري المفترض قرب الحدود مع لبنان،قبل بناءه وبعد.

صور من الأقمار الصناعية للموقع النووي السوري المفترض قرب الحدود مع لبنان،قبل بناءه وبعد.

 

على سياق متصل قضى أربعة علماء نوويين سوريين وآخر إيراني في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2014 بعملية إغتيال مجهولة التفاصيل قرب دمشق أثناء توجههم إلى عملهم في مركز البحوث العلمية. دون أن تتبنى أي جهة الحادثة ، أو من أن يعلن النظام السوري عن تحقيقات حول عملية الإغتيال أو سبب وجود عالم نووي إيراني في سوريا.
هذه الحقائق قد تشير بأصابع الإتهام إلى جهة خارجية لها المصلحة بإيقاف سير البرنامج النووي السوري. والذي على ما يبدو وفق التحليلات برنامجاً إيرانياً صرفاً على الأرض السورية لتسلم حزب الله -الذراع الضاربة لإيران في المنطقة- مسؤولية الحماية عليه. وإستماتتها للحفاظ على النظام في دمشق لا يتعلق فقط في الغالب بطموحاتها السياسية لتكون لاعباً في المنطقة فحسب. بل يتعدى ذلك للحفاظ على مكتسابتها على الأرض السورية في ذلك البرنامج المخصص على ما يبدو للتلاعب وتجنب مساءلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكسب الوقت ،والرقص مع المجتمع الدولي حتى الوصول إلى سلاحها النووي الرادع ،لتتربع بعد ذلك على حطام الشرق الأوسط المنكوب.

Facebook Comments